بسم الله الرحمن الرحيم
كثيرا ما سمعنا عن السلفيين والدعوة السلفية ، والحركة السلفية ، والحركة الوهابية ، والمشهورين عند العوام بالسنيين ، كذلك كنت أنا من قبل ، حتى بدأت التزامي ، وشاهدتهم ، وجالستهم ، وناقشتهم ، فاستغربت أن قال لي بعض الأصدقاء من قبل أنهم كذا وكذا ، وقال لي بعضهم أنهم أجهل أهل الأرض ، مع أني رأيت العكس ، دعونا من ذلك كله ولنأتي لموضوعنا ( ما هي الدعوة السلفية ؟ ) فأجيب أنا اختصارا ، هي دعوة علمية عملية تدعو إلى اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح وهم خير القرون الذين أشار عليهم رسولنا صلى الله عليه وسلم وكما قال ( خير القرون قرني ثم الذي يليه , ثم الذي يليه ) أي الصحابة والتابعين وتابعيهم .
وبالطبع أنا لست عالما ، ولم أبلغ من العلم شيئا فلا أريد أن أخوض معكم أكثر من ذلك ، فأترككم مع شيخنا الجليل عبد الرحمن عبد الخالق جزاه الله عنا خير الجزاء كي يشرح لكم الأصول العلمية للدعوة السلفية .
بسم الله الرحمن الرحيم
الأصول العلمية للدعوة السلفية
الباب الأول
بين يدي الكتاب
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله حمداً يليق بذاته، ويكافئ مزيد إحسانه، ويتجدد بتجدد نعمه وأفضاله. والصلاة والسلام على نبيه ورسوله الداعي إلى الصراط المستقيم، والهادي إلى دينه القويم. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
وبعد:
فمنذ سبع سنوات تقريباً صدرت أول طبعة لهذه الرسالة المباركة، التي تلقفتها أيدي إخواننا السلفيين في كل مكان، حيث استنسخها بعضهم بقلمه، وتداول آخرون النسخة الواحدة واحداً بعد واحد، وصورها آخرون ووزعوها ونشروها، وكل ذلك من فضل الله وإحسانه.
ولقد كانت -على صغر حجمها- وافية بحمد الله في موضوعها، واضعة معالم الطريق السلفي، مرشدة لأهداف الرسالة الإسلامية، موضحة غايات الدعوة السلفية، واضعة أصول المنهج السلفي الذي هو المنهج القويم لفهم الإسلام والعمل به، والذي هو بحمد الله طريق الخلاص للأمة وسبيل عزتها ونصرها.
ولقد شاهدنا بركات ذلك ودلائله بحمد الله؛ فالنماذج السلفية الفريدة التي تربت على هذا المنهج قد أثبتت بأخلاقها وصفاتها وعلمها وعملها أنها على طريق السلف الصالح حقاً، وعلى مثال قرون الخير الأولى صدقاً، وأن هذا الدين لا تنتهي عجائبه ولا تنفد ذخائره، وأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم الدجال.
رأينا بحمد الله الأخوة السلفيين الذين درسوا على هذا المنهج فهموا الإسلام فهماً سليماً صحيحاً، وطبقوه في أنفسهم وذويهم، وقاموا بواجب الدعوة إلى الله على علم وبصيرة، وتصدوا لكل انحراف في العقيدة والشريعة والسلوك، وقاوموا أهل الباطل، وجاهدوا بكل أنواع الجهاد المتاحة لهم، وأعادوا للإسلام إشراقته وبهجته وحياته وحركته وشبابه ونضرته. ولا يزال ركب الخير والحمد لله كل يوم في زيادة.
شبهات وردود:
ولم تسلم الدعوة السلفية المعاصرة من أهل الهون الذين ما فتئوا يلقون شبهاتهم حول الدعوة، ونحمد الله سبحانه وتعالى أن هذه الشبهات تسقط دائماً تحت الأقدام، وتتعرى دائما مع الأيام، ويستطيع كل طالب مبتدئ فهم الإسلام على منهج السلف الصالح أن يرد على هذه الشبهات.
ومن هذه الشبهات على سبيل المثال: قولهم: لماذا تتسمون بالسلفية وهو لم يرد في كتاب ولا سنة؟".
والرد على ذلك أن نقول: إن إطلاق الأسماء على أي حقيقة لا ضرر منه مطلقاً، سواء في الشرعيات أو المباحات، والتسمية لأي أمر شرعي -إذا لم يشتمل على باطل- فليس فيه ضرر، بل قد يكون هذا من الواجبات:
كما أطلق المسلمون على علم الإسناد: (مصطلح الحديث)، ولم يكن على عهد الرسول مثل هذا العلم، وليس هذا بدعة؛ لأن التثبت في الأخبار والنقل عن الرسول مطلوب.
وكذلك سمي بعض المسلمين بـ (المهاجرين) من أجل الهجرة، وبعضهم بـ (الأنصار) من أجل النصرة، وبعضهم بـ (التابعين) من أجل اتباعهم للسلف من المهاجرين والأنصار المشهود لهم بالخير.
فما هو الضير من أن نتسمى بـ (السلفيين)؛ أي: الذين يتبعون منهج السلف الصالح في فهم الدين، والسلف الصالح الذين نتبعهم هم الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهم خير القرون.
وهذه التسمية ضرورية؛ لتميز هذه الطائفة المهتدية عن سائر طوائف الضلال الذين تركوا منهج الصحابة في فهم الدين، واتبعوا طريق الخوارج الغالين المتشددين، أو المؤولين المتنطعين، أو المقلدين الجامدين.. الخ.
ومع هذا؛ فنحن لا نتعصب لهذا الاسم، بل نحب كل مسلم يشهد الشهادتين ويعمل حسب استطاعته بمقتضاهما، ونوالي كل مسلم يحب الله ورسوله، ولا ننصر السلفي إن كان مبطلاً، ولو كان عدوه كافراً؛ فنحن لا نوالي السلفي في الظلم، بل نوالي كل مسلم حسب دينه واعتقاده وإيمانه.
ونحن في النهاية حملة دعوة تسمى (الدعوة السلفية). وهذه الدعوة منهج كامل لفهم الإسلام والعمل به والدعوة إليه…
وقد تضافر العلماء السلفيون على شرح هذه الدعوة وبيانها عبر القرون وإلى يومنا هذا، ونحن على منهج هؤلاء العلماء العاملين: فمن يستطيع أن يستغني عن أصول الفقه التي كتبها الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة"؟!
ومن يستطيع أن يستغني عن مناقشات ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما للخوارج ورده عليهم في استحلال أعراض المسلمين وأموالهم بالمعصية؟!
ومن يستطيع أن يستغني عن فقه مالك وردود الإمام أحمد على شبهات الزنادقة وكتابات الإمام ابن تيمية في المصالح الشرعية وردوده على الفرق الضالة؟!
كل هذا وغيره مما يشكل قواعد المنهج السلفي لا غنى عنها بتاتاً لطالب العلم المعاصر، هذا بالإضافة -أولاً وقبل كل شيء- إلى نصوص الكتاب والسنة.
وهذه هي السلفية، تعني في جملتها الاتباع المستبصر لنصوص القرآن والسنة، واحترام العلماء الذين قاموا بفهم هذا الدين وتبليغه، واقتفاء آثارهم في ذلك.
وعلى كل حال؛ الذين ينكرون على السلفيين اسمهم لم يسلموا هم أيضا من أن يطلقوا على أنفسهم اسماً ما يتميزون به.. وهكذا يتهمون غيرهم بما هو فيهم، وهذا هو اتباع الهوى.
والفرق بيننا وبين غيرنا أننا لا نتعصب لهذا الاسم، ولا نهادي عليه، ولا نجعله شعاراً بديلاً عن الإسلام، بل نحن مسلمون أولاً وأخيرا إن شاء الله، بهذا سمًانا الله، وقد رضينا بالإسلام ديناً.. و (السلفية) لا تعني عندنا أكثر من الإسلام الصحيح الموافق للكتاب والسنة والمتبع للسلف الصالح رضوان الله عليهم.
الشبهة الثانية: قول بعضهم: "أنتم مقلدون".
وهذا افتراء؛ فلسنا مقلدين، وإنما السلفي الحقيقي متبع للحق والدليل، معظم لعلماء الأمة، مقدر لجهودهم، وغير متطاول على فقههم وعلمهم. ومتبع للحق أنَى وجده؛غير طعًان ولا لعًان ولا فاحش ولا بذئ.
والسلفي الحقيقي أيضاً يستحيل أن يكون غلاماً لم يبلغ الحلم بعد وقد درس قليلاً من القرآن والسنة، ثم يضع نفسه موضع علماء الأمة المشهود لهم بالخير والفضل، فيقول مثلا: أنا مثل مالك أو الشافعي! أو أفهم كما يفهم أحمد بن حنبل وأبو حنيفة!! بل يضع نفسه موضعها، ويعرف حق سلف الأمة وعلمائها، ويجلهم، ويحترمهم، ويقدسهم؛ بقدر تقديسهم للحق واتباعهم له، وإذا رأى شيئا من أقوالهم مخالفاً للدليل؛ اتهم نفسه أولاً بعدم فهم الدليل، وعذرهم ثانياً في اجتهادهم، لربما لم يصل إليهم الدليل، وربما فهموا من دلالته غير ما فهمنا نحن؛ كما نصً على ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".
وقد رأيت بعيني غلمانا لم يتجاوزوا السابعة عشرة من عمرهم، لم يحصلوا من العلم إلا قليلاً، إذا ذكر له اجتهاد إمام؛ يقول: "نحن رجل وهم رجال".
عجباً! متى كنت رجلاً في العلم حتى تضع نفسك على قدم المساواة مع أولئك؟!
وكان الأولى أن تقول: هذا ما فهمته، أو: هذا حد علمي، ولم يتعبدني الله إلا بما استطعت فهمه وإدراكه.
باختصار: السلفيون ليسوا مقلدين، وإنما هم متبعون.
ثم هم أيضا ليسوا من أهل الوقاحة والتطاول على مقام العلماء بالتجريح والطعن والتشنيع، وإنما مقالتهم دائماً: {رَبنَا اغفرْ لَنَا وَلإخوَننَا الذينَ سَبَقونَا باَلإيمَن وَلاَ تَجعَل في قلوبنَا غلا للذينَ ءامَنوا رَبَنَا إنَكَ رَءوف رَحيم} (الحشر:10).
وكذلك السلفيون يردون ما اختلف فيه من علم إلى كلام الله وكلام رسوله، ويسترشدون في فهم كلام الله وكلام رسوله بكلام أئمتهم وسلفهم الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وليس عيبا أن نسترشد بأقوال هؤلاء لنفهم مراد الله ومراد رسوله؛ لأننا لم نشاهد التنزيل أولاً، والصحابة أعلم منا بكلام الله وكلام رسوله، وكذلك العلماء المشهود لهم بالخير أفقه منا وأعلم، وذلك بإخلاصهم وتفرغهم الطويل للعلم والعمل.
وأما أن يكون الأطفال والغلمان الذين لم يحسنوا بعد النطق بالقرآن وفهم الجار والمجرور والفعل والفاعل على قدم المساواة مع أئمة الدين وسادة المسلمين؛ فهذا هو الضلال المبين.
ولقد رأيت بنفسي كيف يتلاعب بكلام الله وكلام رسوله من بعض الغلمان؛ ممن جعلوا أنفسهم علماء بالقرآن والسنة، وأخذوا يفتون في الحلال والحرام والدعوة والسياسة والعبادات وسائر المعاملات بمخاريق وألاعيب تجعل دين الإسلام الحكيم أشبه بدين المجانين والحمقى والمغفلين!
فأي حماقة أكبر من أن يتصدى لتبليغ الذين واستنباط الأحكام من القرآن والسنة من لا يفهم العربية ولا يدرك من أصول الفقه وقواعده شيئا؟!
وباختصار؛ السلفي ليس مقلداً، وهو أيضاً ليس متبجحاً وقحاً، يزعم أنه يستطيع الاستغناء عن فهم الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وسادتها الذين حملوا هذا الدين بحق وبلغوه بإخلاص عبر عصور الإسلام إلى يومنا هذا.
ولكن السلفي الحقيقي متبع مسترشد مبصر، باحث عن الحق أبداً، وعن الدليل مطلقاً، معظم لعلماء الأمة وساداتها، غير مفتش عن العيوب والهفوات التي لم ينج منها أحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ملتزم بجماعة المسلمين، عامل على وحدتهم، غير داع إلى فرقة وخصام لجاجة. هذا هو السلفي الحقيقي، ونسأل الله أن يجعلنا كذلك.
هذه إضافة لا بد منها في مقدمة هذه الرسالة المباركة إن شاء الله، وقد يسر الله لي أن انظر في الرسالة مرة ثانية، وأنقح بعض عباراتها، وأزيد في آخرها إضافة جديدة عن أهم مميزات الدعوة السلفية وبركاتها.
والله سبحانه أسأل أن يكتب هذا عنده في ميزان حسناتنا، وأن يجمع هذه الأمة على كلمة سواء، وأن يأخذ بأيدينا لعزة الإسلام ونصره، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
عبدالرحمن عبدالخالق
الكويت الجمعة 26 محرم 1403هـ
12 نوفمبر 1982م
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:
فقد ابتلي المسلمون خلال تاريخهم الطويل بفتن عظيمة، ونسب إلى هذا الدين كثير من البدع والضلالات، وألقي على الكتاب الكريم كثير من التحريفات والشبهات، وتعرضت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم للانتحال والوضع تارة، والرد والإبطال تارات.. وكانت الواحدة من هذه العظائم كافية لطمس معالم الدين، وتضيع أصوله، وتشويهه، وإتلافه؛ لولا أن الله سبحانه وتعالى شاء حفظه وأراد، ورد كيد أعدائه، وجعل سعيهم في تحريفه إلى ضلال، وهيأ في كل عصر من عصور الإسلام من ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، ولولا ذلك؛ لانطمست طريق هذا الدين كما انطمست اليهودية والنصرانية.
ولقد كانت هذه الحركات التصحيحية التجديدية لهذا الدين هي الحركة السلفية التي حافظت على أصول هذا الدين نقية خالصة، ونفت عنه كل بدعة، وردت عنه كل ضلالة، وصححت كل تأويل وتحريف.
فالصحابة العدول رضي الله عنهم نقلوا الأمانة كاملة، وبلغوها غير منقوصة، ووقفوا بالمرصاد لكل تأويل باطل وكل انتحال وتحريض، وحمل الراية من بعدهم علماء التابعين ومن وراءهم.
وفي عهدهم اتسعت دائرة الأمة الإسلامية، وكثر الداخلون من الفرس والروم والشعوب الأخرى، وأراد بعضهم أن يدخل في الدين ما ليس منه؛ بقصد أو بغير قصد، فقام هؤلاء العلماء الأجلاء حراساً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحفظ لنا التاريخ جهادهم في هذا السبيل؛ حرباً للمبطلين، ورداً للزيف عن هذا الدين، ووقوفاً في وجه انحراف الحكم والسياسة، ونشراً للدين النقي الخالص في كل الربوع، حتى سلموا الراية لمَن بعدهم في العلم والإيمان كاملة، عزيزة الجانب، ظاهرة عالية.
وما يزال هذا الدين يخوض المعركة برجاله المخلصين وأبنائه البررة الميامين، الذين أخلصوا دينهم لله، فآمنوا بكتاب الله كما أنزل، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت، وتمسكوا بهما، وعضوا عليهما بالنواجذ، وحاربوا كل أفاك أثيم، يروم حمى هذا الدين؛ تحويلاً له وتحريفاً، أو زيادة له ونقصاً، وتمزيقاً له وتقطيعاً.
وفي عصرنا الراهن زادت الهجمة على هذا الدين، وتميزت قلوب الكافرين عليه من الغيظ؛ أن دامت سيادته كل هذه القرون، واستمر عزه كل تلك السنين.. ورأوا من أبناء الإسلام غفلة عن كتاب ربهم وسنة رسوله الذين كان بهما العز والنصر والغلب، فأمكنوا السيوف من رقابهم، وأعملوا الفساد في هذا الدين برجال أعدوهم لهذا، ودربوهم عليه من أبنائهم أولاً، ونشؤوا من أبناء المسلمين تلامذة لهم، يقولون ويعتقدون مثل ما يعتقدون، فحارب الإسلام أبناؤه، وطعن الكتاب والسنة ورائهما. وليس لهذه الفتن الماحقة إلا رجال ينشؤون على الطراز الأول والمنهاج الأنف الذي كان به العز والسيادة والنصر والتمكين.
ورحم الله مالكاً إذ يقول: "لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
رجال يعلمون الكتاب كما أنزل، والسنة كما بلغت؛ حسب الأصول والقواعد التي وضعها علماء السلف؛ جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر، ويقفون بعد ذلك في وجه هذا الباطل الزائف الذي ملأ الأرض شراً أو كاد.
والله غالب على أمره، وقد شاء أن تظل طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة.
وهذه الرسالة الموجزة المختصرة بيان واضح للأصول التي ابتنى عليها مذهب علماء السلف في فهمهم للكتاب والسنة والعمل بهما، أردنا بها توضيح الطريق لسالكها؛ حتى لا تختلط الدروب، ويعمى على الناس الطريق المستقيم من الطرق المعوجة الهالكة.
والله أسأل أن ينفع بهذا البيان ما بقيت الدنيا؛ إنه سميع مجيب، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.
عبدالرحمن عبدالخالق
الكويت ربيع الثاني 1395 هـ
الباب الثاني
الأصول العلمية للدعوة السلفية
أولاً: التوحيد
الأصل الأول من أصول الدعوة السلفية هو التوحيد. ولا يعني هذا الأصل ما يؤمن به وما يفهمه كثير من الناس من معنى التوحيد، وهو أنه لا خالق إلا الله، بل يفهم السلفي ويعلم من معاني التوحيد أصولاً عظيمة، وقضايا كبيرة، الإخلال بقضية منها إشراك بالله تعالى، أو إلحاد في أسمائه.
وكثير من المسلمين يجهل كثيراً من هذه الأصول والقضايا، فيقع في الشرك، ويظن نفسه مؤمناً موحداً، والحال أنه إما أن يكون ملحداً في صفات الله وأسمائه مؤمناً بها على وجه آخر، أو مشركاً عابداً لغير الله سبحانه وتعالى.
وأصول التوحيد في المعتقد السلفي كما يلي:
أولاً: الإيمان بصفات الله سبحانه وأسمائه على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى دون تحريف أو تأويل.
فالله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في كتابه في آيات كثيرة جداً، ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة جداً، مدونة في كتب السنة؛ كالبخاري، ومسلم، و "مسند" الأمام أحمد، وغير ذلك؛ مما هو صحيح ثابت حسب قواعد أهل مصطلح الحديث.
وما أخبرنا الله بذلك عن نفسه؛ إلا لنصدق ونؤمن.
بل الأيمان بصفات الله سبحانه وتعالى هو أكبر قضية من قضايا العبادة والأيمان؛ كما جاء في الحديث: أن: {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن، وليس فيها إلا صفة الله سبحانه وتعالى.
والمحرفون المؤولون عمدوا إلى هذه الآيات، فحجبوا نورها عن المسلمين:
فإما أن يقولوا: هي آيات متشابهة، لا نخوض في معناها، ونؤمن بها كما جاءت؛ يعنون: أنه لا يجوز للمؤمن أن يفهم من معناها شيئاً، فيكون عند ذلك {وجاء ربك والملك صفا صفا}، كقوله تعالى: {الم}، {كهيعص}، فكما أننا لا نفهم معنى محددا من هذه الحروف المقطعة؛ فآيات الصفات عندهم كذلك.
وبذلك حجبوا نور هذه الآيات أن ينفذ إلى قلوب المؤمنين، وأن يستشعر المسلم عظمة الله كما يليق بجلاله وعلو شأنه وذاته.
وبذلك فرغوا التوحيد من أعظم قضاياه، وهو الإيمان بصفات الله جل وعلا.
وهل الإيمان إلا امتلاء القلب بنور صفات الله وإشراقه بمعرفة إلهه ومولاه؟!
ومع ذلك؛ فقد زعموا -وخاب زعمهم- أن هذا الإيمان الأبله هو معتقد السلف، وحاشاهم، بل هم آمنوا بآيات الصفات وفق معناها الذي نزلت به باللغة العربية، مؤمنين أن الله جلت قدرته وعظمته لا يقدر قدره على الحقيقة إلا هو سبحانه وتعالى.
وإما أن هؤلاء المؤولين يعمدون إلى آيات الصفات، فيحرفونها؛ زاعمين أنه تأويل! فيؤولون مجيء الله يوم القيامة بمجيء أمره، واستواءه على عرشه باستيلائه عليه، ويده بقدرته، ووجهه سبحانه وتعالى بذاته..
ولا يؤمنون بذات فوق العرش، وإنما يقولون: ليس ثم عرش، وإنما العرش الملك، وليس لله مكان، فليس هو في مكان، بل إما أن يقولوا: لا مكان له في شيء من العالم، بل ولا خارجه.
ولذلك لا يجوز عندهم أن يقول مؤمن: ربي في السماء. فإنهم يبدعونه، وقد يكفرونه.
ويأتون إلى الأحاديث التي تذكر فيه صفة الله؛ كـ [ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة]، فيسبون من يصدق ذلك بأقبح السباب، ويقولون: بل تنزل رحمته، وأما هو سبحانه وتعالى؛ فلا ينزل ولا يصعد؛ لأنه ليس فوق العرش شيء، بل ما ثم هناك عرش.
وينفون عن الله سبحانه وتعالى كلامه، ويزعمون أن الله إذا أراد أن يكلم أحداً؛ خلق فيه الفهم لمراده، فيكون كلام الله عندهم؛ كالنفث في الروع، وبذلك يكذبون أحاديث البخاري التي جاء فيها أن الله يتكلم يوم القيامة بصوت يسمعه من






















